الشيخ محمد آصف المحسني

231

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

الثاني : إن اتقان أكثر أفعاله محرز ، وكلّ ما يزداد في رقي العلوم ويتّسع دائرتها يزداد في انكشاف حكمته البالغة المتحققة في الأشياء ، ويظهر اتقان المصنوعات وإحكامها على وجه أدق تندهش به العقول وتضطرب الافكار ، فيضطر الانسان إلى الاقرار بحكمته وكمال خلقته وتمام فاعليته . فلست ان ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين والبصيرة كرّات ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير « 1 » والبصيرة عجزة وهي متحيرة . وعن هرشل : كلّما اتّسع نطاق العلم ازدادت البراهين الدافعة القوية على وجود خالق أزلي لا حدّ لقدرته ولا نهاية ، فالجيولوجيون - علماء طبقات الأرض - والرياضيون والطبيعيون قد تعاونوا وتضامنوا على تشييد صرح العلم ، وهو صرح عظمة اللّه وحده . انتهى . فالناظر لهذه الكائنات المرموزة التي تظهر كلّ يوم عجائبها ، بكراتها السامية المنظمة الكثيرة الكبيرة التي تخرج عن سلطان عقولنا ، وبموجوداتها الأرضية البرية والبحرية إلى المكروبات الصغر ، وإلى حكم أعضاء الإنسان نفسه وإلى . . . وإلى . . . وإلى ما لا نهاية ، يتقّين - يقينا تامّا قويا متأكدا وأشدّ من كلّ يقين - أنّ فاعلها وموجدها خلق جميع أفعاله بإحكام واتقان كما إذا شاهدنا ماكنة دقيقة وعلمنا إحكام جملة من أجزائها وجهلنا اتقان بعضها ، فإنّ عقلنا يحكم باتقانه واقعا ولا يجعل جهل دليلا على عدم اتقانه ، فهذا الاستقراء وإن كان ناقصا ضرورة عدم إحراز الحكمة في جميع إفعاله غير أن العقل - بقوة الحدس - يذعن بحكمته تعالى مطلقا اذعانا قطعيا قهريا . هذا ، ولكن مقتضى هذه الحجة إثبات محكمية أفعاله واتقانها وعدم الخلل فيها . وأمّا صدورها عنه على أكمل الوجوه الممكنة كما هو المقصود فلا يثبت بها ، فانا لم نحرز المقيس عليه بهذا الوصف ، بل لا يمكن للبشر العادي تحصيله ، فقد ظهر الفرق بينهما وبين الحجّة الأولى في المفاد . الثالث : إن إرادته تعالى هو علمه بالنظام الأكمل ، فكل أكمل فهو موجود لا محالة ضرورة استحالة تخلّف المعلول عن علّته ، فلو تحقّق ما ليس بأكمل وأصلح في الخارج ، فقد وجد المعلول بلا علّة وهذا هو الترجّح بلا مرجح . أقول : وهذا أحسن الأدلة حتى من الوجه الأول فإنّه يبطل إمكان اختيار المقابل للأكمل فضلا عن وقوعه . لكن يرد عليه : أولا : ما مرّ من إبطال كون العلم إرادة ومؤثرا .

--> ( 1 ) الملك 67 / 4 .